الشيخ السبحاني
27
مفاهيم القرآن
قال النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - : « إنّ القرآن يصدق بعضه بعضاً » . وقال منعاً لحشر الآراء والنظريات الشخصية في التفسير وحملها على الآيات حملًا : « من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار » « 1 » . إنّ تفسير القرآن الكريم بعضه ببعض ، وعرض الآيات على ما يشبهها في المنطوق أو الهدف ، هو الطريقة المأثورة عن أئمّة أهل البيت - عليهم السَّلام - فإنّ الدقة في الأحاديث التفسيرية المروية عن الأئمة تثبت بوضوح ما نقول ، وتدل على أنّ هذا المنهج كان المنهج المحبّب إليهم في إيضاح النصوص القرآنية لتلامذة مدرستهم . إنّ الآحاديث التفسيرية المروية عن أئمّة أهل البيت - عليهم السَّلام - تدلّ دلالة واضحة على أنّهم استعانوا بنفس الآيات وعرض بعضها على بعض ، في تفسيرها وبيان معانيها وإيضاح مداليلها ومفاهيمها ولم يتصدوا في وقت من الأوقات لحمل آرائهم الشخصية على الآيات الكريمة حملًا ، بل استنتجوا من مقارنة الجمل والكلمات والألفاظ الموجودة في بعض الآيات استيضاح آيات أُخرى مشابهة لها في المنطوق أو المفهوم . يقول علي - عليه السَّلام - في كلام له يصف فيه القرآن : « كتاب اللَّه تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به ، وينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ، ولا يختلف في اللَّه ولا يخالف بمصاحبه عن اللَّه » « 2 » . ولا بأس أن نقدم هنا نموذجاً من تفسير القرآن بعضه ببعض ليرى القارئ الكريم كيف يمكن رفع الالتباس عن الآيات بهذه الطريقة : يقول تعالى في سورة الشعراء - 173 في قوم لوط : « وأَمْطَرنَا عَلَيهِم مطَرَاً فَسَاءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ » أنّ هذه الآية واضحة كل الوضوح من جهة المفهوم ولكن فيها غموض من جهة المصداق ، فإنّ الانسان يتحيّر من المعنى المراد من المطر السوء ، إلّاأنّ الآية
--> ( 1 ) حديث متفق عليه بين الفريقين . ( 2 ) نهج البلاغة ، ج 2 ، ص 22 ، الخطبة 129 .